محمد رأفت سعيد
39
تاريخ نزول القرآن الكريم
الحكمة من هذه التنزلات يرى بعض العلماء في تعدد النزول وأماكنه - مرة في اللوح المحفوظ ، وأخرى في بيت العزة ، وثالثة على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم - تأكيدا على نفى الشك عن القرآن الكريم ، وزيادة للإيمان به ، وباعثا على الثقة فيه ؛ لأن الكلام إذا سجل في سجلات متعددة ، وقسمت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه وأدعى إلى التسليم بثبوته ، وأدنى إلى وفرة الإيقان به مما لو سجل في سجل واحد ، أو كان له وجود واحد . وأما نزول القرآن الكريم مفرقا على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فذلك لحكمة عظيمة يمكن أن نتدارسها لنرد بها على مطلب الكافرين الذين قالوا ما حكاه القرآن الكريم : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] . ولنبين أن الإنزال جملة واحدة على الرسول الكريم ما كان يحقق هذه الغايات وتلك الحكم ، وأن الخير كله فيما قدره الله وأنفذه من إنزال كتابه الكريم مفرقا على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ونتعرف على هذه الحكمة في اتجاهات ثلاثة : الأول : ما يتعلق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم . الثاني : ما يتعلق بالأمة . الثالث : ما يتعلق بالمنهج . أما ما يتعلق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فهذا ما ذكره الله سبحانه في قوله الكريم : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) [ الفرقان ] فمن الحكم العظيمة : تثبيت قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وشرح صدره ، وتدرك هذه الحكمة وهذه الثمرة عندما نطالع صفحة حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في دعوته المباركة وما واجهه من تحديات خطيرة تحتاج إلى تثبيت فقد واجهه المشركون ، وواجهه أهل الكتاب ، وواجهه المنافقون ، وكان لكل فريق من هؤلاء صور من التحديات الخطيرة ؛ فأما المشركون فواجهوه ومن آمن به بالفتنة في الأبدان والأموال وشمل ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم بدءا بوضع الشوك في طريقه وإلقاء النجاسات والقاذورات عليه وهو ساجد ، وانتهاء بالتدبير لقتله ،